معضلة حصر السلاح في العراق: بين المناورات السياسية وتبادل الأدوار

مروة كريم

بواسطة 

مروة كريم

عضو المكتب السياسي





لطالما تصدر شعار "حصر السلاح بيد الدولة" البرامج الانتخابية والخطابات الحكومية في العراق، إلا أن الواقع على الأرض يشي بأن هذا الملف لا يعدو كونه "واجهة" لإرضاء المجتمع الدولي وامتصاص الغضب الشعبي، بينما تظل الحقيقة المريرة تشير إلى أن نزع سلاح الميليشيات يصطدم بجدار من المصالح المادية والارتباطات الخارجية العابرة للحدود.

لم يعد السلاح في العراق مجرد أداة للدفاع أو المقاومة كما يُروج له إعلامياً، بل تحول إلى رأسمال سياسي واقتصادي. فالميليشيات الإرهابية تستخدم نفوذها العسكري لفرض سيطرتها على الموارد الاقتصادية، والمنافذ الحدودية، وعقود الإعمار، مما خلق اقتصاداً موازياً يعتمد بالدرجة الأولى على قوة السلاح.

 سياسياً، يمثل هذا السلاح الضامن الأكبر لبقاء هذه القوى في هرم السلطة، حيث يتم توظيفه للضغط على الخصوم وترهيب الناخبين وتشكيل الحكومات وفق قياسات القوة لا الصناديق.

ان العقبة الأكبر أمام أي محاولة حقيقية لنزع السلاح تكمن في ارتهان القرار. فجميع الفصائل المسلحة المؤثرة لا تخضع في قرارها الاستراتيجي للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، بل تستمد توجيهاتها من أجندات إقليمية ترى في السلاح العراقي ورقة ضغط في الصراعات الدولية. وهذا الارتباط يجعل من الدولة العراقية مجرد وسيط يحاول التفاوض مع أطراف لا تملك من أمرها شيئاً، مما يفرغ أي اتفاق لنزع السلاح من محتواه.

كما تعتبر هيكلية الحشد الشعبي التحدي الأكثر تعقيداً؛ إذ تدمج هذه القوى نفسها داخل مؤسسات الدولة مع الاحتفاظ بولائها العقائدي والحزبي. أي عملية لنزع السلاح في هذا السياق قد تظهر بشكل صوري فقط، من خلال تسليم بعض الأسلحة الخفيفة أو القديمة، بينما تظل الألوية المسلحة الفاعلة تحتفظ بترسانتها الحقيقية ونفوذها تحت غطاء "الشرعية القانونية" للحشد. هذا الوضع يخلق جيشاً داخل الجيش، ويفقد الدولة القدرة على احتكار القوة.

وتتكشف اللعبة بوضوح عند النظر إلى تقسيم الأدوار بين الفصائل:

الفصائل المنخرطة سياسياً: تروج لالتزامها بالدولة والقانون لتحصيل المكاسب الرسمية.

الفصائل الرافضة للعملية السياسية: ترفض نزع سلاحها علناً، وتستخدمه لتنفيذ عمليات تخدم الأجندات المشتركة للمنظومة ككل.

وهذا التبادل في الأدوار يسمح للمنظومة الميليشياوية بالبقاء؛ فإذا ما ضُيق الخناق على الجناح السياسي، تحرك الجناح المتمرد لإعادة خلط الأوراق، والعكس صحيح. إنها عملية مفضوحة تهدف إلى إيهام الرأي العام بوجود خلافات، بينما الحقيقة هي تنسيق عالٍ لتوزيع المسؤوليات والاحتفاظ بالسلاح مهما كانت الضغوط.

لذلك فإن أي مبادرة لنزع السلاح لا تعالج "جذور التمويل" و"الارتباط الخارجي" و"ازدواجية الهوية المؤسساتية" ستظل مجرد استعراض إعلامي. الحقيقة هي أن السلاح في العراق بات يمثل "بقاء" هذه المنظومات، ومن الصعب تصور تخليها عنه طالما بقي هو المصدر الوحيد لنفوذها المادي والسياسي.

مروة كريم - عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الليبرالي العراقي

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال